محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قال : الرجز : العذاب الذي سلطه الله عليهم من الجراد والقمل وغير ذلك ، وكل ذلك يعاهدونه ثم ينكثون . وقد بينا معنى الرجز فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده المغنية عن إعادتها . وأولى القولين بالصواب في هذا الموضع أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن فرعون وقومه أنهم لما وقع عليهم الرجز ، وهو العذاب والسخط من الله عليهم ، فزعوا إلى موسى بمسألته ربه كشف ذلك عنهم ؛ وجائز أن يكون ذلك الرجز كان الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، لأن كل ذلك كان عذابا عليهم ، وجائز أن يكون ذلك الرجز كان طاعونا . ولم يخيرنا الله أي ذلك كان ، ولا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي ذلك كان خبر فنسلم له . فالصواب أن نقول فيه كما قال جل ثناؤه : وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ولا نتعداه إلا بالبيان الذي لا تمانع فيه بين أهل التأويل ، وهو لما حل بهم عذاب الله وسخطه ، قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ يقول : بما أوصاك وأمرك به ، وقد بينا معنى العهد فيما مضى ؛ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ يقول : لئن رفعت عنا العذاب الذي نحن فيه ، لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ يقول : لنصدقن بما جئت به ودعوت إليه ولنقرن به لك ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ يقول : ولنخلين معك بني إسرائيل فلا نمنعهم أن يذهبوا حيث شاءوا . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ يقول تعالى ذكره : فدعا موسى ربه ، فأجابه ، فلما رفع الله عنهم العذاب الذي أنزله بهم إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ ليستوفوا عذاب أيامهم التي جعلها الله لهم من الحياة أجلا إلى وقت هلاكهم ، إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ يقول : إذا هم ينقضون عهودهم التي عاهدوا ربهم وموسى ، ويقيمون على كفرهم وضلالهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى : إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ قال : عدد مسمى لهم من أيامهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ قال : ما أعطوا من العهود ، وهو حين يقول الله : وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وهو الجوع ، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ القول في تأويل قوله تعالى : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا يقول تعالى ذكره : فلما نكثوا عهودهم ، انتقمنا منهم ، يقول : انتصرنا منهم بإحلال نقمتنا بهم وذلك عذابه فأغرقناهم في اليم ، وهو البحر ، كما قال ذو الرمة : داوية ودجى ليل كأنهما * يم تراطن في حافاته الروم وكما قال الراجز : كباذح أليم سقاه اليم بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يقول : فعلنا ذلك بهم ، بتكذيبهم بحججنا وأعلامنا التي أريناهموها . وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يقول : وكانوا عن النقمة التي أحللناها بهم غافلين قبل حلولها بهم أنها بهم حالة . والهاء والألف في قوله : " عنها " كناية من ذكر النقمة ، فلو قال قائل : هي كناية من ذكر الآيات ، ووجه تأويل الكلام إلى : وكانوا عنها معرضين فجعل إعراضهم عنها غفولا منهم إذ لم يقبلوها ، كان مذهبا ؛ يقال من الغفلة ، غفل الرجل عن كذا يغفل عنه غفلة وغفولا وغفلا . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها . . . ما كانَ يَصْنَعُ